محمد بن وليد الطرطوشي

368

سراج الملوك

مخلاة ، وبات يصلي ويبكي حتى أصبح ، فأعرض جيشا من جيوش المسلمين فأمضاها كلها ، فقالت امرأته : رحمك اللّه ، لو حبست منها شيئا نستعين به ، فقال : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لو اطّلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض ، لملأت الأرض من ريح المسك » « 1 » وإني واللّه ما أختارك عليهن فسكتت . وروي أن عمر رضى اللّه عنه ، استعمل على حمص رجلا يقال له عمير بن سعد « 2 » ، فلما مضت السنة ، كتب إليه أن يقدم عليه ، فلم يشعر به عمر إلّا أن قدم ماشيا حافيا معه عكازته وأدواته ومزودته وقصعته على ظهره ، فلما نظر إليه عمر قال : يا عمير أخنتنا ؟ أم البلاد بلاد سوء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين : أما نهاك اللّه أن تجهر بالسوء ، وعن سوء الظن ، وما ترى من سوء الحال وقد جئتك بالدنيا أجرها بقرابها ؟ فقال : وما معك من الدنيا ؟ قال : عكازة أتوكّأ عليها ، وأدفع بها عدوا إن لقيته ، ومزودى أحمل فيه طعامي ، وأدواتى هذه أحمل فيها ماء لشربى وصلاتي ، وقصعتى هذه أتوضأ فيها ، وأغسل فيها رأسي ، وآكل فيها طعامي ، فو اللّه يا أمير المؤمنين ما الدنيا تعدّ إلا تبعا لما معي . قال : فقام عمر من مجلسه إلى قبر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر فبكى ، ثم قال : ( اللهم ألحقني بصاحبيّ غير مفتضح ولا مبدّل ) ثم عاد إلى مجلسه . ثم قال : ما صنعت في عملك يا عمير ؟ قال : أخذت الرقة من أهل الرقة « 3 » ، والإبل من أهل الإبل ، وأخذت الجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون ، ثم قسّمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل ، فو اللّه يا أمير المؤمنين لو بقي منها شيء عندي أتيتك به ، فقال عمر : عد إلى عملك . فقال عمير : أنشدك اللّه أن لا تردني إلى عملي ، فإني لم أسلم منه ، حتى قلت لذمّي ( أخزاك اللّه ) ولقد خشيت أن يخاصمنى له محمد صلى اللّه عليه وسلم ولقد سمعته يقول :

--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير والضياء عن سعيد بن عامر ، والحديث صحيح ( الجامع الصغير للسيوطي رقم 74069 . ( 2 ) عمير بن سعد بن عبيد الأوسي : انصارى ، صحابي ، من الولاة الزهاد ، شهد فتوح الشام ، استعمله عمر بن الخطاب على حمص ، فأقام فيها سنه ، ثم دعاه إلى المدينة فجاءها ، فلما أراد عمر إعادته أبى ، ومات سنة 45 ه وقيل مات في أيام عمر وكان عمر يقول : وددت أن لي رجالا مثل عمير بن سعد أستعين بهم على أعمال المسلمين ( الأعلام 5 / 88 ) . ( 3 ) الرقة ( الأولى ) الدراهم أو نصاب الزكاة الخارج من الأرض ورد في الحديث « في الرقة ربع العشر ) والرقة ( الثانية ) الأرض التي يصيبها المطر في الحر فتنبت وتخضرّ